أبي طالب المكي

272

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

* ( اذْكُرُوا الله ذِكْراً كَثِيراً ) * [ الأحزاب : 41 ] قيل : في التفسير خالصا فسمي الخالص كثيرا ، وهو ما خلصت فيه النية لوجه الله تعالى ، ووصف ذكر المنافقين بالقلة فقال : * ( يُراؤُنَ النَّاسَ ولا يَذْكُرُونَ الله إِلَّا قَلِيلًا ) * [ النساء : 142 ] ، يعني غير خالص . وسمّيت سورة : * ( قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ) * سورة الإخلاص لأنها خالصة في ذكر صفات الله تعالى وحده ، لا يختلط بذكره جنة ولا نار ولا وعد ولا وعيد ولا أمر ولا نهي وكذلك قيل سورة التوحيد إذ لا شريك فيها من سواه فأول سلطان العدو على القلب عند فساد النية فإذا تغيرت من العبد طمع فيه فيتسلط عليه وأوّل ارتداد العبد عن الاستقامة ضعف النية ، فإذا ضعفت النية قويت النفس فتمكن الهوى ، فإذا قويت النية صحّ العزم وضعفت صفات النفس ، ولأنه ينتقل العبد من معصية إلى معصية دونها فيكون تاركا للأولى بنية الترك لله تعالى كان أنفع له وأحمد عاقبة وأصلح لقلبه وأقرب إلى توبته من افتعال الطاعات مشوبة بالهوى وفساد النيّات ، لأنه يكون حينئذ متقلبا في المعاصي بفساد نيته ، وخالط عملا سيئا بسيء مثله ، ودرأ بالسيّئة لسيّئة قلبها ، وهذا بخلاف وصف الله تعالى من قوله : * ( خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً ) * [ التوبة : 102 ] . وقوله : * ( ويَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) * [ الرعد : 22 ] ، ومخالف لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : اتبع السيّئة الحسنة تمحها ، وفي حديث أبي هريرة : من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان ، ومن أدان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق . وفي حديث ابن مسعود ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء فقال : إنّ أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفرش ، وربّ قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته ، وقال ثابت البناني : نية المؤمن أبلغ من عمله ، إنّ المؤمن ينوي أن يصوم النهار ويقوم الليل ويخرج من ماله فلا تتابعه نفسه على ذلك فنيته أبلغ من عمله . وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل القلب بالملك والجوارح جنوده ، قال : فإذا صلح القلب صلح الجسد ، وإذا فسد فسد الجسد ، معناه إذا صلحت للعبد نيته دامت للعبد استقامته ، وإذا خلص وصفا من شوب الكدر والهوى خلصت الأعمال من الرياء وصفت من الشهوات والأهواء ، وإذا فسدت نيته بحبّ الدنيا فسدت أعمال الجوارح بحبّ المدح والرياء . وقد حدثونا في الإسرائيليات أنّ عابدا عبد الله تعالى دهرا طويلا فجاءه قوم فقالوا : إنّ هاهنا قوما يعبدون شجرة من دون الله تعالى ، فغضب لذلك ، فأخذ فأسه على عاتقه وقصد الشجرة ليقطعها ، فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال : أين تريد رحمك الله ؟ قال : أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله . قال : وما أنت وذاك ؟ تركت عبادتك والاشتغال بنفسك وتفرّغت لغير ذلك ؟ فقال : إنّ هذا من عبادتي . فقال له : إني لا أتركك